أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
496
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
إحداها : أنها منصوبة ب « اذْكُرْ » على أنها خرجت على الظرفية ، إذ يستحيل أن تكون باقية على مضيها ، والعامل فيها ما هو نصّ في الاستقبال . الثاني : أنه منصوب بمحذوف مضاف ل « مَرْيَمَ » تقديره : واذكر خبر مريم أو نبأها إذ انتبذت ف « إِذِ » منصوب بذلك الخبر أو النبأ . الثالث : أنه منصوب بفعل محذوف تقديره : وبين أي : اللّه تعالى ، فهو كلام آخر . وهذا كما قال سيبويه في قوله : انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ . وهو في الظروف أقوى ، وإن كان مفعولا به . الرابع : أن يكون منصوبا على الحال من ذلك المضاف المقدر ، أي : خبر مريم ، أو نبأ مريم . وفيه بعد ، قاله أبو البقاء . والخامس : أنه بدل من « مَرْيَمَ » ، بدل اشتمال . قال الزمخشري : « لأن الأحيان مشتملة على ما فيها ، وفيه أن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا ، لوقوع هذه القصة العجيبة فيه » . قال أبو البقاء - بعد أن حكى عن الزمخشري هذا الوجه - : « وهو بعيد ، لأنّ الزمان إذا لم يكن حالا من الجثّة ، ولا خبرا عنها ، ولا صفة لها ، لم يكن بدلا منها » . انتهى . وفيه نظر ، لأنه لم يلزم من عدم صحة ما ذكر صحة البدلية ، ألا ترى نحو : « سلب زيد ثوبه » ، ف « ثوبه » لا يصح جعله خبرا عن زيد ولا حالا منه ، ولا وصفا له ، ومع ذلك فهو بدل اشتمال . السادس : أن « إِذِ » بمعنى « أن » المصدرية ، كقولك : « لا أكرمك إذ لم تكرمني » أي : لأنك لا تكرمني . فعلى هذا يحسن بدل الاشتمال ، أي : واذكر مريم انتباذها . ذكره أبو البقاء . وهو في الضعف غاية . و « مَكاناً » : « يجوز أن يكون ظرفا - وهو الظاهر - ، وأن يكون مفعولا به على المعنى ، إذ المعنى : إذ أتت مكانا . والإنتباذ : افتعال من النّبذ ، وهو الطّرح ، وقد تقدّم بيانه . والجمهور على ضم الراء من : « رُوحَنا » . وقرأ أبو حيوة وسهل بفتحها ، أي : ما فيه راحة للعباد ، كقوله : فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ . وحكى النّقاش أنه قد قرىء : « روحنّا » بتشديد النون ، وقال : هو اسم ملك من الملائكة . قوله : بَشَراً سَوِيًّا حال من فاعل « تمثّل » وسوّغ وقوع الحال جامدة وصفها فلما وصفت النكرة وقعت حالا . قوله : لِأَهَبَ . قرأ نافع وأبو عمرو : « ليهب » بالياء ، والباقون « لِأَهَبَ » بالهمزة . فالأولى الظاهر فيها أنّ الضمير للربّ ، أي : ليهب الرّبّ ، وقيل : الأصل : لأهب بالهمز ، وإنما قلبت الهمزة ياء تخفيفا ، لأنها مفتوحة بعد كسرة ، فتتفق القراءتان . وفيه بعد . وأما الثانية فالضمير للمتكلم ، والمراد به الملك ، وأسنده لنفسه ، لأنه سبب فيه ، ويجوز أن يكون الضمير للّه تعالى ، ويكون على الحكاية بقول محذوف ، ويقوي الذي قبله أن في بعض المصاحف « أمرني أن أهب لك » . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 18 إلى 19 ] قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 )